"في هذا المشهد العسكري الجديد، يمكن لسلاح خفيف ورخيص وصغير، لا يعادل سوى جزء ضئيل من ثمن الدبابة، أن يربك طاقمها أو يصيب أنظمتها الحساسة أو يشل حركتها".
في جنوب لبنان، لم تَعُد الدبابات تشق طريقها كما اعتادت، كأنها الكلمة الأخيرة في ساحة المعركة. ذلك الوحش الفولاذي الذي كان يفرض سيطرته بقوة المدفع وسماكة الدرع، بات يتحرك ببطء محسوب أو يتوقف أحيانًا ويتخفى جانبًا، فالخطر لم يعد كامنًا فقط في مقاتل يحمل صاروخًا خارقًا للدروع خلف التلال أو بين الأبنية، بل صار معلقًا في السماء فوقه مباشرة، حيث تدور مسيَّرة صغيرة، بالكاد تُرى أو تُسمع، لكنها تملك من الكاميرات والحساسات ما يكفي للبحث عن نقطة الضعف قبل أن توجه ضربتها بدقة من الأعلى.
في هذا المشهد الجديد، يمكن لسلاح خفيف ورخيص وصغير، لا يكاد يساوي جزءًا ضئيلًا من ثمن الدبابة، أن يربك طاقمها أو يصيب أنظمتها الحساسة أو يشل حركتها ولو مؤقتًا، فيدفعها من موقع الهجوم إلى موقف الحذر. وفي عصر لم يعد فيه التفوق لمن يملك المعدن الأثقل وحده، بل لمن يرى أولًا ويضرب من حيث لا تُنتظر الضربات، فإن الدبابة، التي لم تعُد الملك المتوَّج للمعارك البرية كما كانت قبل الحرب الأوكرانية، تشهد الآن انقضاضا جديدًا في ساحة الحرب في جنوب لبنان.
تدور الحرب منذ سنوات في أوكرانيا وتتغير ملامحها يومًا بعد يوم. في عام 2024، وصفت وكالة رويترز في تقرير مطوَّل كيف غيرت مسيَّرات "منظور الشخص الأول" (FPV) شكل الحرب. لقد جعلت هذه المسيرات حركة المركبات والمدرعات مخاطرة شبه يومية لدرجة أن قائد دبابة أوكراني أخبر الوكالة إن الدبابات الأوكرانية والروسية لم تعد تجرؤ على دخول حقل مكشوف لأنها ستواجه وابلًا من المسيَّرات، وإن دبابة من طراز "تي-72" (T-72) باتت تتخفى وتُستخدم فعليًا كمدفعية ثابتة.
وتعتمد مُسيَّرات منظور الشخص الأول على المُشغِّل، الذي يرى ما تراه الكاميرا المثبتة في مقدمتها لحظةً بلحظة، كأنه جالس بداخلها أو يمارس لعبة إلكترونية. ويمنحها ذلك قدرة كبيرة على المناورة والدقة، سواء في الاستطلاع أو في توجيه ضربة مباشرة إلى هدف محدد. وغالبًا ما تكون هذه المُسيَّرة منخفضة التكلفة مقارنةً بالأسلحة التقليدية، ويمكن تجهيزها بعبوة متفجرة لتعمل كمسيَّرةً انتحارية تصطدم بهدفها وتنفجر فيه.
ظهرت هذه المسيَّرات بقوة في الحروب الحديثة لجمعها بين التكلفة الاقتصادية والدقة والمرونة، إذ تستطيع استهداف آليات ومواقع محصَّنة وأفراد، والطيران على ارتفاعات منخفضة وبين العوائق، مما يُصعِّب رصدها أحيانًا. غير أن مداها وحمولتها محدودان مقارنةً بالمسيَّرات الأكبر، وقد تتأثر بالتشويش إن كانت تعتمد على الاتصال اللاسلكي.
"استخدام المسيَّرات في مواجهة الدبابات والمدرعات ليس تفصيلًا تكتيكيًا فحسب، بل يمكن اعتباره انقلابًا في وظيفة الدبابة ذاتها".
واستخدام هذه المسيَّرات في مواجهة الدبابات والمدرعات ليس تفصيلًا تكتيكيًا فحسب، بل يمكن اعتباره انقلابًا في وظيفة الدبابة ذاتها من المناورة إلى البقاء. والأهم أن آلاف المسيَّرات الدقيقة التي لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها بضع مئات أو آلاف الدولارات باتت تشل حركة دبابات لا تقل قيمة الواحدة منها عن ستة إلى عشرة ملايين دولار.
خطة حزب الله لقد بدت الفكرة قابلة للتصدير. ففي تقرير لمنصة "ديفنس نيوز" صدر مؤخرًا، أوضح خبراء أن حزب الله يخوض مع إسرائيل "حربًا على الطريقة الأوكرانية" في جنوب لبنان، بعد أن بدأ بنشر مقاطع مصوَّرة ملتقطة من مسيَّراته الانتحارية وهي تصطدم بدبابات ميركافا الإسرائيلية المتقدمة جنوبًا، مدَّعيًا أنه "دمَّر أو عطَّل 20 دبابة" منها.
وكان الهجوم الافتتاحي لحزب الله في الثاني من مارس/أذار الماضي عبر ضربة بالمسيرات والصواريخ، إذ نقلت رويترز عن مصادر أن الحزب كان يُطلق أكثر من 60 صاروخًا ومسيَّرة يوميًا حينها، ثم تجاوز ضعف هذا العدد بعد يومين. وبحلول 19 مارس/أذار، كان الحزب قد تبنَّى أكثر من 280 هجومًا شملت صواريخ وقذائف وصواريخ موجَّهة ومسيَّرات، استهدفت مستوطنات شمال إسرائيل وتمركزات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.
في لبنان، لا يبدو أن استخدام حزب الله للمسيَّرات يبلغ حجم الاستخدام الأوكراني ونطاقه، غير أنه يُظهر محاولة جادة للاستفادة من مبدأ "اقتصاد المسيَّرات"، أي استخدام المُسيَّرات الصغيرة الرخيصة لمعادلة كفة تكلفة الحرب لصالح الطرف الأضعف. ففي السابق، كان إحداث أثر عسكري ملموس يستلزم منصات باهظة مثل طائرة مقاتلة أو صاروخ موجَّه مرتفع الثمن، أما اليوم فبات من الممكن تنفيذ الاستطلاع أو الضرب أو الاستنزاف بمسيَّرات لا يتجاوز ثمن بعضها بضع مئات أو آلاف الدولارات، بينما تُجبر الخصم على استخدام دفاعات وذخائر أثمن بكثير.
وقد اشترت أوكرانيا وأنتجت أكثر من 1.5 مليون مسيَّرة من مسيرات منظور الشخص الأول عام 2024، وخططت لرفع العدد إلى نحو 4.5 مليون عام 2025 بميزانية تتجاوز 2.6 مليار دولار. وهذا يعني أن الجيوش لم تعد تفكر في نوع السلاح وحده، بل في الكمية التي يمكن إنتاجها واستهلاكها وتعويضها، فالمسيَّرة هنا ليست مجرد قطعة تقنية بل جزء من اقتصاد حرب يقوم على الوفرة والسرعة والإتاحة الصناعية.
ومن هنا تنشأ معادلة "الاستنزاف غير المتماثل"؛ سلاح رخيص من حزب الله يفرض على إسرائيل دفاعًا باهظًا. فمُسيَّرة "شاهد" الإيرانية تتكلف بين 20-50 ألف دولار، بينما يبلغ سعر صاروخ اعتراض واحد من باتريوت نحو 4 ملايين دولار. لذا لم تعد المشكلة في إسقاط المسيَّرة فحسب، بل فيما يكلفه إسقاطها، وكم مرة يستطيع المُدافع تكرار ذلك قبل أن تستنزف مخزونه وميزانيته. ولهذا نرى اتجاهًا متزايدًا نحو حلول دفاعية أرخص مثل المدافع والمسيَّرات الاعتراضية والليزر، بدلًا من الاعتماد الدائم على الصواريخ الأغلى ثمنًا.
"المسيَّرة لم تعد مجرد قطعة تقنية بل جزء من اقتصاد حرب يقوم على الوفرة والسرعة والإتاحة الصناعية".
وفي مقطع نشره حزب الله يوم 4 مارس/أذار، ظهر مقاتل يُجهِّز مسيَّرة في منطقة كثيفة الأشجار، تعرَّف عليها بعض الخبراء بوصفها مُسيَّرة "شاهد 101 ، مع احتمال أن يكون إنتاجها محليًا، وهي مسيَّرة أصغر وأخف، وأقرب إلى المسيَّرات الانتحارية التكتيكية قصيرة إلى متوسطة المدى، مقارنةً بالمُسيَّرة "شاهد 136" الشهيرة والأكبر حجمًا والمصمَّمة للهجمات الأبعد. وتتميز بعض نسخ "شاهد 101" بمحرك كهربائي يُخفِّض الضجيج والبصمة الحرارية، لكن على حساب الحجم والمدى والحمولة.
والإنتاج المحلي في هذا السياق عنصر جوهري، إذ لا يتعلق اقتصاد المسيَّرات بالتكلفة الإجمالية وحدها، بل بسلسلة التوريد أيضًا. فالقيمة الحقيقية لهذه المنظومات لا تُقاس بسعر المسيَّرة عند خروجها من المصنع، بل بقدرة مستخدمها على تأمين المحركات والبطاريات والشرائح الإلكترونية والكاميرات وأنظمة الاتصال بكميات كبيرة وبوتيرة سريعة ومن دون انقطاع. وقد تبدو المسيَّرة رخيصة على الورق، لكنها تصبح أكثر كلفةً وأقل فاعليةً إذا كانت مكوناتها تعتمد على مورد خارجي هش أو سوق تجارية قابلة للتعطل بالعقوبات أو القيود أو اختناقات الشحن.
مسيرات الألياف الضوئية وهنا يدخل ملف مسيَّرات الألياف الضوئية بوصفها أحدث التهديدات التي تواجهها إسرائيل، وقد استُخدمت مؤخرًا في جنوب لبنان. ولا نعرف بَعْد الكثير عن حجم توظيف حزب الله لها، لكنها قد تتحول مع الوقت إلى عنصر أساسي في هذه الحرب إن أمكن إنتاجها بكثافة.
ومسيَّرات الألياف الضوئية هي في الأصل مسيَّرات انتحارية صغيرة من مُسيَّرات منظور الشخص الأول، لكن بدلًا من تلقِّي الأوامر والصورة عبر موجات الراديو، فإنها تبقى متصلة بالمشغِّل عبر سلك ألياف ضوئية رفيع ينسحب من بكرة أثناء الطيران. وهذا يمنحها ميزتين حاسمتين: الأولى أنها شبه محصَّنة ضد التشويش الإلكتروني التقليدي، لأنها تتلقى الأوامر عبر سلك منعزل عن المجال الكهرومغناطيسي، والثانية أنها تنقل صورة واضحة، مما يجعلها فعَّالة جدًا ضد الأهداف المختبئة بين الأبنية أو داخل الخنادق.
في أوكرانيا، برزت هذه الفئة استجابةً مباشرة لحرب التشويش بين الطرفين، إذ يمكن النظر إلى الحرب الأوكرانية الروسية باعتبارها سباق قط وفأر بين المسيَّرات ووسائل تشويشها، لذلك فقد ازدهرت مسيَّرات الألياف الضوئية لأنها تواصل العمل رغم كثافة الحرب الإلكترونية.
لكن هذه المسيَّرات لديها نصيب من العيوب؛ فمداها مرتبط بطول السلك، واحتمال انقطاعه قائم، كما أن البكرة تُضيف وزنًا وتُقلِّص الحمولة، فضلًا عن أن المسيَّرة قد تتعثر بالعوائق. ورغم ذلك، ارتفعت واردات أوكرانيا من الألياف البصرية أكثر من عشرين مرة بين عامَي 2021-2025، وهذا الرقم يُظهر أن مادة الألياف باتت عنصرًا استراتيجيًا في سباق المسيَّرات.
التكتيك الذي يحاصر الدبابة لم تقتصر رحلة صيد الدبابات الإسرائيلية على المسيرات. مع دخول الميركافا إلى جنوب لبنان، تبنَّى حزب الله تكتيكات عصابات جديدة عبر خلايا صغيرة تضرب ثم تذوب في التضاريس، مستخدمًا صواريخ "كورنيت" الروسية و"ألماس" الإيرانية.
ويشكِّل صاروخ كورنيت تهديدًا تقليديًا ومباشرًا لدبابات ميركافا، لأنه صاروخ مضاد للدروع مخصص لاختراق التدريع من مسافات بعيدة نسبيًا. وقد برز اسمه بقوة منذ حرب 2006 حين تمكَّن مقاتلو حزب الله وقتها من إصابة عدد من دبابات ميركافا بما فيها نسخ حديثة منها. ويوضح "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (CSIS) أن عددًا من هذه الدبابات أُصيب آنذاك بصواريخ مضادة للدروع كان الكورنيت من أبرزها، مما كشف أن الدبابة الثقيلة ليست محصَّنة بالكامل حين تواجه كمائن صاروخية محكمة أو ضربات من زوايا مناسبة.
"يُنظر إلى صاروخ ألماس على أنه نسخة إيرانية من عائلة سبايك الإسرائيلية، ما يجعله أكثر تطورًا في التوجيه والاشتباك المرن".
أما صاروخ ألماس الإيراني فخطورته مختلفة، إذ يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه نسخة إيرانية من عائلة سبايك الإسرائيلية، ما يجعله أكثر تطورًا في التوجيه والاشتباك المرن. وقد ظهرت دلائل على استخدامه من جانب حزب الله ضد أهداف إسرائيلية في معارك متنوعة خلال السنوات القليلة الماضية. وبينما يعتمد كورنيت على الضربة القوية المباشرة ضد الدروع، يمنح ألماس قدرة أفضل على التعامل مع الهدف بدقة ومن زوايا أصعب، مما يزيد الضغط على ميركافا حتى في وجود أنظمة الحماية النشطة مثل "تروفي"، وهو نظام يُركَّب على الدبابات والعربات المدرعة ليكتشف المقذوفات المهاجمة ويعترضها.
بناء على ما سبق، فإن المسيَّرات جزء من منظومة قتالية متكاملة لا بديل منفرد، حيث يُضغط على الدبابة بالصاروخ والكمين الأرضي بينما تُضيف المسيَّرة عنصر الرؤية من منظور علوي ثم الضربة من أعلى. وهكذا تواجه دبابات ميركافا ثلاثة مستويات مترابطة من الخطر تتكامل لتقليص قيمة الدبابة تدريجيًا في ساحة قتال معقدة مثل جنوب لبنان.
أول هذه المستويات الرصد والكشف فوق الميدان، فالمُسيَّرة حتى حين لا تكون مسلحة تؤدي وظيفة بالغة الأهمية، إذ تنزع عن الدبابة ميزة الاختفاء النسبي والمفاجأة، وتكشف حركتها واتجاهها ونقاط توقفها وأنماط مناورتها بين الأبنية والطرقات الضيقة، مما يمنح حزب الله صورة محدَّثة للميدان في الزمن الحقيقي تُمكِّنه من توجيه نيران المدفعية أو الراجمات أو الصواريخ المضادة للدروع في اللحظة الأنسب، وفي بيئة مثل قرى الجنوب حيث تضيق الشوارع وتكثر السواتر، يصبح امتلاك العين الطائرة عاملًا حاسمًا.
ثم يأتي المستوى الثاني وهو الضرب المباشر من الأعلى أو من الزوايا الأضعف تدريعًا. فالدبابة صُمِّمت تقليديًا لتحمُّل الضربات الأمامية والجانبية، لكن الحرب بالمسيَّرات فرضت تهديدًا مختلفًا يقوم على استهداف السقف وأعلى البرج حيث تقل كثافة التدريع. وتوحي الفيديوهات المتداولة بأن حزب الله يسعى للاستفادة من ضرب الجزء العلوي من الهدف المدرع، وهو ما لا يعني بالضرورة تدميرًا كاملًا للدبابة، لكنه قد يكفي لإخراجها من القتال عبر تعطيل المناظير أو إتلاف أجهزة الرصد والتصويب أو إجبار الطاقم على الانسحاب.
أما المستوى الثالث فهو التشبع والإنهاك، وهو ربما أخطر المستويات عملياتيا، لأن الدبابة لا تواجه تهديدًا منفردًا بل تدخل ساحةً تتعرض فيها في آنٍ واحد لصواريخ موجَّهة ومسيَّرات استطلاع ومسيَّرات انتحارية وقذائف راجمات وربما نيران هاون وعبوات ناسفة. وفي مثل هذه البيئة لا تكمن المشكلة في اختراق الدرع فحسب، بل في الضغط التراكمي على الطاقم، وعلى أنظمة الحماية النشطة، وعلى قدرة الدبابة على الحفاظ على وعي ظرفي متماسك تحت سيل متزامن من التهديدات. ومع تكرار هذا الضغط تصبح الدبابة أقل قدرة على التمييز بين الخطر الحقيقي والخداع، وأبطأ في الحركة، وأكثر ميلًا إلى الاحتماء أو التوقف.
كيف تستجيب إسرائيل؟ ردًّا على هذه التهديدات الناشئة، طوَّرت شركة رافائيل نسخة جديدة من نظام تروفي لتكون أكثر فاعليةً في التعامل مع الهجمات القادمة من الأعلى. وتعمل إسرائيل أيضًا على طبقة دفاعية مختلفة تتمثل في نظام "قبة المسيَّرات"، الذي يجمع بين الرادار وأجهزة كشف الإشارات اللاسلكية والكاميرات والتشويش الإلكتروني ضمن مركز قيادة وتحكم موحَّد. وتقوم الفكرة على اكتشاف المسيَّرة الصغيرة ثم قطع الاتصال بينها وبين مشغِّلها، غير أن مسيَّرات الألياف الضوئية تُشكِّل عقبةً أمام هذا النظام، لأنها لا تعتمد على موجات لاسلكية بل على سلك ينقل الأوامر والصورة، مما يُقلِّص فاعلية التشويش التقليدي ضدها.
"تعتمد فكرة قبة المسيرات على اكتشاف المسيَّرة الصغيرة ثم قطع الاتصال بينها وبين مشغِّلها".
وثمة طبقة دفاعية ثالثة هي الليزر، كما في نظام "أيرون بيم"، الذي يعمل على إسقاط الأهداف الصغيرة مثل المسيَّرات والصواريخ قصيرة المدى بتكلفة تشغيل أقل بكثير من الصواريخ الاعتراضية التقليدية. غير أن الليزر ليس حلًّا سحريًا، إذ يحتاج إلى خط رؤية مباشر، وقد تتراجع فاعليته في الدخان والغبار أو عند تزامن هجمات كثيفة، ولذا يُستخدم بوصفه طبقةً إضافية داخل منظومة دفاع متكاملة لا بديلًا وحيدًا عنها. وهناك أيضًا الأقفاص المعدنية التي تُركَّب فوق الدبابات، وهي حل بسيط استُخدم في الحرب الأوكرانية وربما استخدمه الإسرائيليون أيضًا، يهدف إلى تفجير شحنة المسيَّرة قبل أن تضرب الدرع مباشرة أو على الأقل تخفيف أثرها.
لكن كل ما سبق لم يُعِد معارك الدبابات إلى ما كانت عليه، وبات يُنظر إلى حرب أوكرانيا بوصفها نموذجًا تحذيريًا للدبابات من "مجزرة" إن دخلت إلى "منطقة قتل" المسيَّرات، بشكل أفقدها موقعها التقليدي في الحروب البرية قبل دخول عصر المُسيَّرات.
في نهاية المطاف، تقوم حرب حزب الله غير المتكافئة ضد إسرائيل على محاولة نزع المزايا من الخصم الأقوى بدل مجاراته في تفوقه. فهو لا يسعى إلى حرب دبابات تقليدية مفتوحة ولا إلى السيطرة الواسعة على الأرض، بل إلى إبطاء التقدم ورفع الكلفة وتشتيت الانتباه وتحويل كل تحرك إسرائيلي إلى مخاطرة. والهدف ليس تدمير القوة الإسرائيلية دفعةً واحدة، بل تفكيك فاعليتها تدريجيًا على مدى زمني واسع: من دبابة تتردد في التقدم، إلى طاقم يعمل تحت تهديد مستمر، إلى طرق إمداد مكشوفة، إلى قرار عملياتي يحتاج وقتًا أطول لأن السماء نفسها لم تعد آمنة.
"تقوم حرب حزب الله غير المتكافئة ضد إسرائيل على محاولة نزع المزايا من الخصم الأقوى وليس مجاراته في نقاط تفوقه".
هذا هو منطق الحرب غير المتكافئة الحديثة: جعل القوة الكبيرة أقل حريةً في استخدام قوتها. ولتنفيذ ذلك يعتمد حزب الله على خلايا صغيرة مرنة موزَّعة على تضاريس مألوفة، تضرب ثم تنسحب وتترك للمسيَّرات مهمة تعقُّب التحركات وتحديد اللحظة المناسبة للهجوم.
هل ينجح حزب الله في خطته في الأخير؟ يتوقف ذلك على عاملين جوهريين؛ الأول مدى قدرة خطوط إنتاج المسيَّرات وإمداد الصواريخ على الاستمرار، والثاني صبر الإسرائيليين على حرب طويلة مكلفة اقتصاديًا ومُكلفة في الأرواح أيضًا. فالحروب لم تكن يومًا شأنًا عسكريًا خالصًا، بل قدرةً على استنزاف الطرف الآخر إلى آخر لحظة، وهنا يمكن للطرف الأضعف تقنيًا أن ينتصر في حرب طويلة إذا توفرت الظروف المناسبة.
"حفلة صيد الميركافا".. كيف يخوض حزب الله الحرب ضد دبابات إسرائيل؟
أخبار البلد -




