كتب اسامه الراميني
بدون مقدمات ورتوش، وبدون غضب أو عتب، فإن روسيا لا يمكن أن تُصنف اليوم بأنها حليف أو "بنشد فيها الظهر"، واللي "متغطي فيها بردان"، وكل يوم تتعزز هذه القناعة عند الكثيرين وأنا واحد منهم.
الروس مثلاً باتوا يفكرون بطريقة نفعية ذرائعية بلا مبدأ أو قيم أو شرف، فهم يتخلون عن حلفائهم مع أول محطة، لا بل ينقلبون عليهم ويتحولون إلى خنجر في ظهرهم بذريعة تعظيم المكاسب. والأدلة كثيرة جداً على مر التاريخ، وفي المستقبل القريب شاهدنا كيف باع بوتين "كل زلمه ورجالاته" وحلفاءه بكبسة زر، وتخلى عنهم بعد أن أكلهم لحماً وتركهم عظماً "بلا مأوى". فمثلاً بشار الأسد باعوه بثمن بخس، ودارت بوصلة الاتجاه نحو الشارع وكأن شيئاً لم يكن، ليقع في مطب فنزويلا وهو يشاهد الأمريكان يقبضون على مادورو "بالأندروير" من غرفة نومه ويقلدونه في شوارع أمريكا، وسعادة الأخ القيصر يكتفي بالتنديد وأن ما حدث يشكل انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
وأخيراً، نجد نفس الموقف وذات الخسة من الروس في تعاملهم مع الإيرانيين الذين "أكلوها" مرتين تحت مسمع وعيون الروس الذين "انخرسوا" والتزموا الصمت، واكتفوا بعبارات سمجة وسخيفة لا تسمن ولا تغني من جوع. نعم، تصريحات قليلة أدب مغلفة بطابع دبلوماسي مرتجف؛ فالرئيس القيصر الذي لا أعلم مَن منحه هذا اللقب وعلى أي أساس تم منحه، ينبطح أرضاً ويرتجف خوفاً ويدلي بتصريحات قلقة بعد يومين من العدوان الثاني على حليفته إيران، التي أنقذته وأنقذت سمعة جيشه المنهارة في أوكرانيا، حيث طائرات "الشاهد" وأخواتها هي التي حسمت وغيرت معادلة وميزان الحرب لصالح الروس.
ومع ذلك، فهناك معلومات قيمة قدمها الإيرانيون للروس الذين أفلتوا من العقوبات التي تجاوزت أكثر من مئتي عقوبة من قبل الغرب وأعوانه والدول الأوروبية؛ حيث زود الإيرانيون الروس بتقنية التهرب من العقوبات بتزويدهم بعمل "أساطيل الشبح" للالتفاف على العقوبات، وكان لذلك الفضل في خروج روسيا من أزمة مالية كبرى كانت مُعدة لها بعناية لولا تسهيلات ومعلومات وخطط إيران التي ساعدت في تطوير وسائل الاختراق، ولكن "بوتين" وزمرته ومافيته لا تستحق مطلقاً هذا الدعم، حيث وجدناها تخرج من طورها ومن موقفها بطريقة "أخس" وهي تتحدث بتخاذل وجبن بضرورة ضبط النفس واللجوء إلى الدبلوماسية.
وحتى اغتيال المرشد علي خامنئي، فإن بوتين الذي يعلم ماذا قدم الأخير في سبيل تطوير العلاقة السياسية والاقتصادية والأمنية بين روسيا وإيران، قدم التعازي الحارة إلى الرئيس الإيراني معتبراً ما جرى انتهاكاً سافراً للأخلاق الإنسانية، ولم يتحدث بكلمة واحدة ينتقد أو يندد بما قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي عرف كيف يستخدمه ويلاعبه في حرب أوكرانيا، حيث أصبح بلا مهابة ومطاعاً لكل ما تريده الإدارة الأمريكية. وقبلها التزم الصمت ونام نومة أهل الكهف "وعمل نفسه ميت" في اختطاف رئيس دولة شرعية كانت حليفة له بالمطلق، فباع الجميع وتخلى عن كل حلفائه وأنصاره في هذا المحور الذي كان يتشكل، تاركاً إياهم في وجه الطغيان والعدوان وكأن الأمر لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد.
نحن لا نريد بالطبع من بوتين أن يرتدي "الفوتيك" ويخرج بطائرات السوخوي أو القاذفات المنسية على أطراف روسيا ليقاتل بدلاً من الإيرانيين، ولا نريد منه أن يرسل جيشه المهزوم منذ خمس سنوات على أطراف أوكرانيا في الأقاليم الأربعة ليحارب مع مادورو، ولا نريد منه أن يرسل صواريخ "الفرط صوتي" ويقدمها لأعداء أمريكا والغرب الذين يتوغلون كل يوم في كل بقعة من بقاع العالم. كنا نريد فقط من هذا القيصر الضعيف أن لا يظهر وكأنه حليف ونصير أمام الآخرين، ولا نريد منه أن يزود دول العالم باليورانيوم، بل كنا نريد أن يكشف حقيقة أن روسيا لم تعد هذه الدولة التي عاشت في الذاكرة مناصرة للثورة والإنسان وضد الظلم والعدوان.
روسيا اليوم باتت ضعيفة ومهزوزة ومهزومة من الداخل، فهي ليست دباً أو نمراً، مجرد "كازية" وأسطوانة غاز منفوخة، لديها إرث من اليورانيوم والأسلحة الفتاكة التي ورثتها بعد أن تم تفكيك كل جمهورياتها وتشريد حدودها بفعل المؤامرات التي أطاحت بها. نعم، روسيا التي لولا حلفاء ساندوها في محنتها وأزمتها مثل كوريا الشمالية والشيشان والإيرانيين وبعض دول العالم الثالث القادمين من كوبا وفنزويلا والدعم الصيني وبعض جماعات "فاغنر"، لكانت روسيا اليوم أمام "مطحنة الشرايط" أو "مفرمة اللحمة".
إيران لا تحتاج مساعدة من أحد، فهي تخوض معركة الدفاع عن حدودها وسيادتها، ولا تحتاج من روسيا أو غيرها شيئاً لأن "فاقد الشيء لا يعطيه"، كما أن الروس لا يملكون أي قوة أو مخالب سوى دبلوماسية الهاتف والشجب والاستنكار والإدانة وبعض المصطلحات التي تتعلق بمعاهدات دولية وقانون دولي إنساني. نعم، إيران ليس لها حليف حقيقي وأولوياتها هي مصلحتها الوطنية، ولا تنتظر من أحد أي دعم، خصوصاً إذا كان دعماً صوتياً رمزياً. فالعالم يتشكل من جديد، والخطابات لا تصنع زعامات، وبوتين لا يجيد إلا البكاء ومشاركة العزاء والإدانة بصوت عالٍ وصل للسماء.
ومن يعود قليلاً للتاريخ القريب سيكتشف أن الروس هم مجرد وهم وصوت عالٍ و"مايكروفون" بلا أي وزن حقيقي؛ فالدب الروسي لا فائدة منه، فهو ثقيل الوزن بلا جدوى. وما جرى في أوكرانيا أثبت لنا أن روسيا مجرد دولة تبيع الغاز والكاز مثل "محطة وقود" ليس أكثر، لم تستطع أن تحسم معركتها منذ 5 سنوات حيث الأوكران "يمردغون" وجه هذه الدولة بالوحل والطين، ولولا مساعدة الحلف الخفي لروسيا لكانت في مكان آخر.
وأخيراً.. إن المتغطي "بالروس" عريان، وهذه هي الحقيقة التي يجب على الجميع أن يقف أمامها في عالم تحول إلى متجر ومول وبازار.. الكل فيه يبيع ويشتري.